يوسف المرعشلي
338
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
التحصيل والتفقه ، ومن ثمة عاد إلى بيروت ، ومنها إلى مصر حيث دخل الأزهر الشريف وتتلمذ على الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمد عبده ، وحضر حلقات نابغة زمانه المرحوم الشيخ جمال الدين الأفغاني ، ولما استوفى علامتنا البيروتي زاد طموحه العلمي الكبير قفل عائدا إلى مسقط رأسه ، وقد أصبح محط الأنظار ، ومناط الآمال . وفي جوع إلى البحث والتعمق ونهم إلى المعرفة وسعة الاطلاع لا يعرف الشبع ، انكب المرحوم الشيخ حسن المدور على نبش خزائن المؤلفات والمخطوطات ، فعايش الكتب وعايشته آناء الليل وأطراف النهار ، ولم يترك علما من علوم الدين والتشريع واللغة والمنطق والفلسفة والأدب إلا غرف منه غرفا ، وأقبل على دراسة علم الفلك والطبيعيات ، ووضع عدة مؤلفات دينية وفقهية ومصنفات في علوم التوحيد والمنطق واللغة بقي أكثرها دون طبع ، بينما طبعت له كتب للتدريس ظل طلاب العلم يتداولونها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى . وتنافست إدارات المعاهد على تقاسم أوقاته للتدريس ، كما كانت له حلقات يومية مشهورة في بعض مساجد المدينة يحضرها الناس بانتظام ، حيث كانوا يتهافتون على سماع دروسه إثر أداء الصلاة ، ولا نبالغ إذ نقول إن الشيخ حسن المدور في حلقاته التدريسية داخل جدران المدارس وتحت قباب المساجد إنما كان معلم الجيل البيروتي كله قبل الحرب العالمية الأولى دون منازع ، ومن تلاميذه المبرزين في علوم الدين والشريعة المرحوم الشيخ مصطفى الغلاييني قاضي بيروت الشرعي الأسبق ، وسماحة مفتي الجمهورية الشيخ محمد علايا ، وعشرات من أشهر رجال الدين البيروتيين . ولقد تفرد العلامة المدور بالإفتاء على جميع مذاهب الشرع الإسلامي ، وكان في هذا المضمار مرجعا لا يشقّ له غبار ، وكثيرا ما اعتمدته مشيخة الإسلام في إستامبول لحل المعضلات الشرعية ، كما أن الأسئلة والاستفتاءات الفقهية المستعصية كانت تتوارد عليه من شتى الديار والأمصار الإسلامية ، معتمدة تفقّهه الواسع وعلمه الغزير بأصول القياس . وحدث عندما شغر منصب مفتي الولاية في بيروت بوفاة المرحوم الشيخ عبد الباسط الفاخوري مرشحان هما المرحومان الشيخ مصطفى نجا والشيخ أحمد عباس الأزهري ، فاتجهت الأنظار إلى المرحوم الشيخ حسن المدور كمرشح حيادي مؤهل للفوز بإجماع الأصوات ، غير أن العلامة المدور غلب عليه توضعه وزهده وأبى الإذعان للضغط الذي تعرض له ، ولما تم انتخاب المرحوم الشيخ مصطفى نجا مفتيا أكبر لولاية بيروت ، تجددت المحاولات لإقناع المرحوم الشيخ حسن المدور بقبول منصب الأمين العام للإفتاء ، نظرا لما كان لهذا المنصب من شأن كبير في وضع الفتاوى الشرعية وإصدارها معللة بالأسانيد الفقهية وقياساتها الدقيقة ، وأخيرا نزل العلامة الكبير عند رغبة الجميع وصدر فرمان سلطاني بإسناد أمانة الفتوى إليه . وللمرحوم الشيخ حسن المدور نجلان هما الصحافي الكبير والكاتب المعروف الأستاذ نور الدين المدور ، والأستاذ بدر الدين المدور أحد كبار الموظفين بوزارة المالية ، وأما حفيده وحامل اسمه فهو الأستاذ حسن المدور من كبار موظفي بلدية بيروت ، ورئيس الدائرة الإدارية لأمانة سر المجلس البلدي ، ورئيس دائرة الصرفيات بالوكالة ، وهو نجل الأستاذ نور الدين . واشتهر العلامة الشيخ حسن المدور إلى جانب علمه الواسع بأخلاق ومزايا ندر مثيلها إلا عند أهل التقى والصلاح ، فقد كان رحمه اللّه نموذجا فريدا لأمانة الخلق ، وبشاشة الوجه ، وعفة النفس ، ونقاء السريرة ، وسرعة البداهة ، ولين العريكة ، وحلاوة المعشر ، وكان محبوبا محترما يتمتع بثقة لا تحد في أوساط الناس ، ومما يذكر عنه أن صلاة العصر أدركته ذات يوم وهو يحضر احتفالا دينيا للطائفة المسيحية في إحدى كنائس بيروت ، فلم يلبث أن ترك الوالي وكبار الرجال الرسميين الذين كانوا يحضرون الاحتفال ، وانتحى إحدى زوايا الكنيسة يؤدي فيها الصلاة على مشهد من الجميع ، وكانت بادرة منه جسدت أروع معاني التسامح والتآخي بين العقائد الإلهية . ولبّى المغفور له الشيخ حسن المدور دعوة ربه الكريم في ربيع عام 1914 قبيل اندلاع الحرب